علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
146
الصداقة والصديق
وتصرّفه بين وليّ مشفق ، وعدوّ مطرق ، وكلّ يرصده وينقده ، وللسانه فلتات ، ولقلبه هفوات . [ بين التوبيخ والتأنيب ] وقال بعض البلغاء : ليس تكمل محاسن الصّفح إلّا بالإضراب عن مذلّة التوبيخ ، فإن التأنيب أوجع وقعا في وجه الكريم ، من وقع الضرب في بدن اللئيم . [ جزاء الموبّخ ] وقال أعرابي : الموبّخ بعد العفو أولى بالتوبيخ ، لأنه أفسد النّعمة بالتذكير ، وقبّح الصفح بالتعيير « 1 » . [ العفو الصحيح ] وقال سهل بن هارون « 2 » : العفو الذي يقوم مقام العتق « 3 » ما سلم من تعداد السّقطات ، وخلص من تذكار الزّلّات . [ اغتفار الزلّات ] وقال رجل للفضل بن سهل ذي الرئاستين : أنت أحقّ من تغمّد « 4 » هذه الفرطة ، واغتفر هذه السّقطة .
--> ( 1 ) ج ق - التعبير . التعيير : التقبيح والنسبة إلى العار . ( 2 ) هو أبو عمرو سهل بن هارون بن راهبون الدستميساني ، نسبة إلى دستميسان وهي كورة بين واسط والبصرة والأهواز ، حكيم فصيح شاعر ، ويقول صاحب الفهرست 174 : « وكان متحققا بخدمة المأمون ، وصاحب خزانة الحكمة له ، فارسي الأصل ، شعوبي المذهب ، شديد العصبية على العرب ، وله في ذلك كتب كثيرة ورسائل في البخل » . . . وكان أبو عثمان الجاحظ يفضله ، ويصف براعته وفصاحته قال في وصفه ( البيان والتبيين 1 / 52 ) : ومن الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر والخطب ، والرسائل الطوال والقصار ، والكتب الكبار المخلدة ، والسير الحسان المدوّنة ، والأخبار المولّدة : سهل بن هارون بن راهبوني الكاتب ، صاحب كتاب ثعلة وعفرة في معارضة كليلة ودمنة ، وكتاب الإخوان ، وكتاب المسائل ، وكتاب المخزومي والهذلية وغير ذلك من الكتب . توفي سهل سنة 173 ه . ( 3 ) العتق : الإخراج من الرّق إلى الحرية . ( 4 ) غمد الشيء : ستره ، غمده وتغمده : ستر ما كان منه . الفرطة : العجلة والأمر الذي فرط فيه صاحبه .